فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 489

نحلةً ومذهبًا، قال خصوم فكره إنه يصطنع نقله، ويزور على رواته فيزورون له. كان التوحيدي رواية المجالس العالية، والرواية كما قيل العلم المستطيل، ومخالفوه يسوؤهم هذا وينؤهم، حتى سرت أحكامهم الجائرة عليه إلى من عرفوا باعتدالهم من المؤرخين فأقروها، وتابعوا على العمياء قائليها. خالف التوحيدي في طريقته العلمية مألوف كثير من العلماء، فبينه وبينهم باعد، وليس من الإنصاف أن نأخذ عليه خروجه عن مألوفهم.

الحق أبلحج لا يخيل سبيله ... والحق يعرفه ذووا الأحلام

لا جرم أن التوحيدي حار في أمره مع من وسموا بالعلم في زمنه، وهم محافظون متشددون في تقاليدهم ومصطلحاتهم، لا يبالون أن يرموا كل من أبدع طريقة، وكشف عن حقيقة، بالتفسيق والتبديع والتفكير، ومن أسهل الأعمال عليهم أن يتقربوا من ذوي السلطان بضرب عنق من لا يدركون مغازية ومعانيه ممن بذهم وأربى عليهم. ويا لبؤس عالم لم يتخذ له بدًا عند صاحب صولة في مثل ذاك المجتمع، فإن مجرد اتهام بعض المعتقدين له بانحلال العقيدة، كاف في بتر حبل حياته، ولا من يرحمه أو يتشفع به. أراد المأمون رضي الله عنه وأرضاه أول المائة الثالثة أن يخرج الأمة من ربقة التقليد الأعمى إلى ساحة العقل السليم، فرأى أن يسيطر على الدين واللغة والآداب والعلوم، بتسامح وتعقل، ولكن معظم ما بناه تهدم بأفول نجمه ويا للآسف، فلم ينشأ بعد للأمة خليفة في وزنه وعياره، يحمي العقل ودعاته، ويفسح للباحثين مجال النقد والنظر.

ومن أعظم المصائب أن أقدار البلاد معلقة أبدًا على الرأس الذي يدبر أمرها خليفة كان أو سلطانًا أو أميرًا، متى زال تزول معه أوضاعه وتراتيبه أو أكثرها، وقل أن بنى الخلف على أساس السلف، أو سار المتأخر على قدم المتقدم، خصوصًا في المسائل الذهبية، والمطالب الاجتماعية والمدنية، ولذلك كانت حضارتنا في كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت