فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 489

الحياة الفاضلة، وجب إليهم دينهم ودنياهم، ليستقيموا أمة عزيزة فاضلة في أخلاقها. وكان يرى سعادة أصحاب السلطان وأصحاب الثروة تزول بزوال أربابها، أو بما يعرض لها من أسباب الفناء، وأن العمل الصالح هو الأثر الذي يظل على الأيام، لذلك كان يتقن عمله، لا يتوخى منه إلا ما يجدي في الحياة والمعاد. وسع علمه الناس والأمصار، ونظر أكثر من غيره إلى ما وراء حدود النظر، وما كان بالمقلد الحائف، ولا ممن يأخذ كل ما اتصل به قضية مسلمة لا بحث ولا نظر: قصاراه التجديد، والبعد عن مزالق التقليد، والتعرف إلى كل شئ معرفة ثاقبة.

رأى من العبث تكليف الأيام ضد طباعها، فلابس دهره كما شاء في الجملة، لا كما أراد هو بالتفصيل، فضحك لشقاء الحياة الدنيا، وهزأ بما يراه نعمة؛ عرف أن السعادة في الأرض مستحيلة، وأن العالم يحلو ويمر، فرضي بحلوه ومره، وفي الرضا والقناعة عزاء وشفاء. رأى فساد الناس بما كسبت أيديهم من الكذب والزور والحسد والخبث، فاستعمل من دهائه ما أتقى به شرهم، وعلق يطمع في الحيلة لتعليمهم، ومداواة أمراض نفوسهم، وتفنن في دعوته، لا تفنن صاحب خيال، وطالب محال، بل تفنن الرجل الحكيم، يفيض اليوم بعد اليوم من علمه على تلميذه، بقدر ما يشهد فيه من استعداد، ويسمح له من رأس ماله الواسع ما يرجى له أن ينعم به، وهو لا ينفر أهل جيله وقبيله، ولا يقرهم على كل ما هو فيه.

خلق نقادًا كما يخلق الشاعر شاعرًا، وقوة النقد فيه شديدة، وهو مع هذا يعمد إلى الفراق، وينصف خصمه من نفسه، ويستمع إلى ما يدلي به من حجة. تراه وهو العربي القح في الجميع منازعه، لم تستهوه حكمة اليونان والهند وفارس، وما امتلكت قلبه غير حكمة العرب وهدايتهم وآدابهم، ومع هذا يأخذ ممن سبق ولحق، وعمن وافق وخالف؛ ولا ينوه نظره عن شيء، ولا ترذل نفسه حقيرًا. ولم تورثه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت