فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 489

أحد أولاد الأمراء من بني إسماعيل بن علي.

ترى، ونحن يعنينا من ابن المقفع بلاغته، هل نقل حكمه عن غيره، أو كان أبا عذرتها، ومفترع طريقتا؟ والأرجح أنه نقل، ولكن بأسلوبه المعجب المطرب، نقل ما ألبسه ثوبًا جميلًا من حوكه. وقد يقل الإبداع في الأفكار، وهي تأخذ من نفسك بما ألبست من حلة شائقة يتعذر على كل أحد محاكاتها، كالطعام الجيد تتألف مواده من أشياء يعرفها الناس، وقل أن يحسن تحضيرها، إلا طاه رفيق يركب فيها كل شيء على مقادير معلومة، فتأتي طيبة في المذاق.

أعظم ابن المقفع حكمة القدماء، وذهب إلى أنهم سبقوا إلى كل فضل، وأن الواجب الأخذ عنهم، وأن من بعدهم لم يبتعدوا أصولًا جديدة. وإليك رأيه الصريح غير مجمجم فيه ولا متعتع، قال: فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم، فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع؛ غير ان الذي نجد في كتبهم هو المنتخل من آرائهم، والمنتقي من أحاديثهم، ولم نجدهم غادروا شيئًا يجد واصف بليغ في صفة له مقالًا لم يسبقوه إليه، لا في تعظيم الله عز وجل وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامها وتجزئة أجزائها، وتوضيح سبلها، وتبيين مآخذها؛ ولا في وجوه الأدب، وضروب الأخلاق؛ فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم، ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس.

وقوله إن القدماء لم يغادروا شيئًا لا في تعظيم الله عز وجل وترغيب فيما عنده، ولا تصغير للدنيا وتزهيد فيها الخ، قول فيه نظر، ولعله مما قاله قبل إسلامه، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت