طويلًا، وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة، منهم أبو سليمان محمد بن معشر البسني، ويعرف بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم.
وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة، وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان اللّه، وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية، وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والتشريعة العربية؛ فقد حصل الكمال، وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها، وأفردوا لها فهرسًا وسموها: رسائل إخوان الصفاء وكتموا فيها اسماءهم، وبثوها في الوراقين، ووهبوها للناس، وحشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية، والأمثال الشرعية، والحروف المحتملة، والطرق المموهة.
قال الوزير: فهل رأيت هذه الرسائل؟ قلت: قد رأيت جملة منها وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات، وحملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عليه فنظر فيها أيامًا، وتبحرها طويلًا، ثم ردها علي وقال: تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا، طنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع، ظنوا أنه يمكنهم أن يدرسوا الفلسفة التي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير والمجسطي وآثار الطبيعة، والموسيقي الذي هو معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان، والمنطق الذي هو اعتبار القوال بالإضافات والكميات والكيفيات في الشريعة، وأن يربطوا الشريعة في الفلسفة، وهذا مرام دونه حدد. وقد تورد على هذا قبل قوم كانوا أحد