فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 489

انقطاعها بطيء اتصالها، كآنية الفخار يكسرها أدنى شئ ولا وصل لها. لا يرد بأس العدو القوي بمثل التذلل له، كما أن العشب إنما يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها. لا يجب للمذنب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف عنه كالشيء المنتن كلما أثير ازداد نتنًا. من صنع معروفا لعاجل الجزء فهو كملقي الحب للطير لا أسرع إليه الهلاك من كل وجه، كالماء إذا اجتمع في موضع ولم يكن له طريق إلى النفوذ تفجر من جوانبه فضاع. الأدب يذُهب عن العاقل السكر، ويزيد الأحمق سكرًا، كالنهار يزيد البصير بصيرًا، ويزيد الخفاش سوء بصر. الدنيا كدودة القز لا تزداد بالإبريسم على نفسها لفًا، إلا ازدادت من الخروج بعدًا. إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم، كالفيل إذا توحل لم يقلعه إلا الفيلة. يبقى الصالح من الرجال صالحًا حتى يصاحب فاسدًا، فإذا صاحبه فسد، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحت.

قصدنا بالتوسيع في النقل من حكم ابن المقفع لتكون من المستفيد على طرف الثمام، ويعاور تلاوتها كلما اتسع له وقته، ويتدبر ما فيها من المعاني والأفكار، ليتخذ منها عونًا على تفهم الحياة والمجتمع، ويجعل هذا الكلام المنظم درسًا يمعن في تبحره وتدبره، كما قال هو في غرض كتابه كليلة ودمنة وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له، وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم، وأضافه إلى غير مفْصح، وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالًا، فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدرِ ما أريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب.

قصدنا أن نجعل طالب البلاغة من كلام ابن المقفع مثالًا صالحًا يحتذيه في الإفصاح عن ذات نفسه، وأن يتدبره كيف ينتقي ألفاظه ليصوغ بها تراكيبه ويأتي بهذه المعاني وهي وإن لم تكن جديدة بما فيها فجديدة بوضعها وصنعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت