يريدون بقولهم مجدولة، جودة العصب وقلة الاسترخاء، وأن تكون سليمة من الزوائد والفضول، ولذلك قالوا خمصانة وشفانة، وكأنها جان، وكأنها جَدل عنان، وكأنها قضيب خيزران، والتثني في مشيها أحسن ما فيها، ولا يمكن ذلك للضخمة والسمينة، وذات الفضول والزوائد، على أن النحافة في المجدولة أعم، وهي بهذا تحبب على السمان الضخام، وعلى الممشوقات والقضاف، كما يحبب هذه أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب. ونحن بعد كلامه هذا يحق لنا أن ندعي أن الجاحظ كان يعرف كل شيء.
ومما قاله: قّل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطباء والمتكلمين، إلا ونحن قد وجدنا قريبًا منه في أشعار العرب، وفي معرفة أهل لغتنا وملتنا.
ولذلك رأيناه يقرّب الفلسفة من الأذهان ويمزجها بالأدب وأشعار العرب ليخرجها عن جفائها؛ ورأيناه مع وقوفه على العلوم اليونانية ينقد بعض ما لم يدخل في دائرة الحس والعقل، ولا يأخذه قضايا مسلمة كفعله في إنكار أحاديث الجن وما روي من الشعر في رؤيتهم، فقال إن للناس في هذا ضروربًا من الدعاوى، وعلماء السوء يظهرون تجويزها وتحقيقها؛ ومن استقراءاته قوله: إنهم أحصوا أصناف نخل البصرة، دون نخل المدينة، ودون مصر والتمامة والبحرين وعمان وفارس وكرمان، ودون الكوفة وسوادها وخيبر وذواتها، والأهواز وما بها، أيام المعتصم، وإذا ثلاثمائة وستون ضربًا من مُغلّ معروف، وخارجي موصوف، وبديع غريب، مع طيب عجيب.
وقال في كتابه الأمصار: أكثر الدور غلة ثلاث: دار للبطيخ بسرّ من رأى ودار الزبير بالبصرة، ودار القطن ببغداد. ومما قاله في وصف البصرة إنه لا يعرف مصرا جاهلي ولا إسلامي أفضل من البصرة وإنها قلب الدنيا وواسطة الأرض