لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن اللّه عز وجل.
وما عجب أبو عثمان من رجل عرف لغتين، فكان إمامًا في البلاغة، غير موسى بن سيار الأسواري، قال: إنه كان من أعاجيب الدنيا وكانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فيقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب اللّه، ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين، واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها.
وقال في معنى الترجمة ومسخها بلاغة الشعر المنقول، وكيف يحيل النقل المباني والمعاني: وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلم بلسان العرب. والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه، وبطل وزنه. وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه. وصار كالكلام المنثور، والكلام المنثور المبتدأ على ذلك، أحسن من المنثور المنقول من موزون الشعر. وقد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنًا وبعضها ما انتقص شيئًا، ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن، ثم إنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئًا لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعاشهم وفطنهم وحكمهم. وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى أمة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان، حتى انتهت إلينا، وكنا آخر من ورثها ونظر فيها.
إنا إذا تأملنا قول الجاحظ في النقل، وما يجب أن يكون عليه الناقل من المقدرة، لينقل فيجيد من لغة إلى لغة ثانية، نسجل أن رأيه هذا لا يختلف عن أحدث الآراء في عصرنا، وكأنك إذا تدبرت ما قاله في هذا المعنى، تقرأ رأيًا لرجل أنفق عمره