فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 489

والمتكلمين والقضاة والمحصلين إعذارا وإنذارا: امتحنتني وأنت تعرف ما في المحنة وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة. قال المعتصم: أخطأت بل كذبت. وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك، فسؤالي إياك عن نفسك ليس من المحنة ولا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة، إذ كانت حالك هذه الحال، وسبيلك هذه السبيل. وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره ويعاينوا انقطاعه فينقض ذلك استبصارهم فلا يمكنه جحد ما أقربه عندهم فأبى أن يقبل ذلك وأنكره إلى آخر ما ذكر.

مذهب الجاحظ في الدين كمذهبه في العلم، مذهب العقل وصدق الحس لا يحكم غيرهما، ولا يحكم بسواهما. لا جرم أن اختلاف أهل السنة والجماعة مع المعتزلة اختلاف لا يعتد به كثيرا، والمسائل المختلف فيها لا تعبث بأصل من أصول الدين، فمن قال مثلا بأن الله يرى في الآخرة له أدلته من الكتاب، ومن قال بان الله لا يرى تأول بعض الآيات لإثبات قضيته، ومن قال إن الفاسق يخلد في النار أو لا يخلد، فلا يتعلق على كلامه كبير أمر في الدين. يقول ابن حزم: إن أقرب فرق المعتزلة إلى أهل السنة أصحاب الحسين بن محمد النجار وبشر بن غياث المريسي ثم أصحاب ضرار ابن عمرو وأبعدهم أصحاب أبي هذيل.

ومن ثبتت له كالجاحظ كل هذه الحسنات في الدفاع عن الدين، لا يضيره إذا رأى رأي غيره في مسائل طفيفة. والناس منذ كانت الدنيا لا يتفقون في كل الأمور. فقد شهدنا الجاحظ نفسه يخالف أحد أساتذته في بعض الآراء فما قدح ذلك فيهم، ولا عد عمله من سوء الأدب. وإذا أدركنا أن معظم ما كتبه في الدين قد فقد نتخيل مبلغ سعة الغاية التي دبرت عليه وعلى كتبه خاصة وعلى المعتزلة عامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت