فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 489

سار الجاحظ على العرف قبله في إيراد أسماء الأعضاء وعملها، لأنها ما وجدت في اللغة إلا لتستعمل، ولطالما أرسل النفس على سجيتها، وأورد النكات والنوادر بالألفاظ التي رويت بها. وليس ذكر الأشياء بأسمائها بدعًا في أسلوب الجاحظ، ووصف الأشياء بما فيها من قبح وحسن بالأسلوب الواقعي طريقة للعرب قديمة؛ ومع هذا لم يفرط أبو عثمان في ذلك، يورد ما يورد منها في المناسبات، ولا يعد اللفظ ولا الجملة من ذلك مما يمس الدين، أو يعبث بخلق، أو يأتي على أدب، ولا سيما في حكاياته وما ينقله من أشعار. الجاحظ يملي أدبه من روحه وقلبه وعقله، ويقول ما يقول غير متزيد، فمن الأحجى أن يعرض الطبائع البشرية في صورتها الحقيقية، لا يداجي ولا يحابي، ويجابه الحقيقة مجابهة.

بقي أن نقول إن أدب الجاحظ قطعة من نفسه تتجلى فيه لأول نظرة طريقته، ولو أنك ألقيت قطعة من قلمه بين عشر قطع أدبية لغيره، لما صعب عليك أن تميز كلامه من كلام غيره، إن كنت ممن تأدب بكلامه، لما تحس من أفكار سديدة ما خان اللفظ ولا ألبسك كاتبها؛ فشخصية الجاحظ تلمسها إذًا في غير موضوع جالت فيه يراعته؛ وهذا قلما تعرف مثله كثيرًا لغيره من العلماء والأدباء، وأسلوبه خاص به، لا ينازعه فيه منازع، وجماع عوامل الإحسان مستوفاة في كلامه.

بلاغته:

ضرب المثل بأدب الجاحظ وبيانه وسعة عبارته حتى كان يقال من دليل إعجاز القرآن إيمان الجاحظ به ومن الخير لطلاب البلاغة إذًا أن يمنعوا النظر بكلام الجاحظ، ليتبينوا بأنفسهم طريقته، ويتواصفوا في الجملة طراز إملائه دروس البلاغة، ويتعرفوا ميزانه الدقيق في فقه اللغة، أي النظر في مواقع الألفاظ وأين استعملتها العرب واجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت