الضلال. فحق على من أنعم اللّه عليه بمعرفته، ووفقه لتأمل هذه الخليقة، والوقوف على ما في خلقها من لطف التدبير، وصواب التقدير، بالدلائل القائمة فيها، أن لا يقصر في إظهار ما بلغه علمه من ذلك، بل يجهد في نشره وإذاعته وإيراده على المسامع والأذهان، التقوى دواعي الإيمان، وتخيب مكيدة الشيطان.
هذه نموذجات من أساليب الرد على من خالفوا الإسلام، ولا سيما المانوية والزنادقة والملحدون ممن كانوا يعملون على هدم كل معتقد، فيتأذى الإسلام بدعوتهم، وتسري في إذهان العوام. وقال في المجوسية: ولم تر قط ذا دين تحول إلى المجوسية عن دينه ولم يكن ذلك المذهب إلا في ضعفة من أهل فارس والجبال، وخراسان كلها فارسية فإن عجبت من استسقاطي لعقل كسرى ابرويز وآبائه وأحبابه وقرابته وكتابه وأطبائه وحكمائه وأساورته فإني أقول في ذلك قولًا لا يعرف به أنني ليس إلى العصية ذهبت.
رأى أبو عثمان إنزال العقوبات في العابثين بالأديان فقال: من لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحي في موضع الإحياء، وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنها ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف الرب في تدبيره، وظن أن رحمته فوق رحمة ربه؛ وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع، وبعض العفو إغراء، كما أن بعض المنع إعطاء ولا خير فيمن كان خيره محصنًا، وشر منه من كان شره صرفًا، ولكن أخلط الوعد بالوعيد، والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإن الناس لا يهابون ويصلحون إلا على الثواب والعقاب، والإطماع والإخافة، ومن أخاف ولم يقع وعرف بذلك كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه؛ فخير الخير ما كان ممزوجًا، وشر الشر ما كان صرفًا. ولو كان الناس يصلحون على الخير وحده، لكان اللّه عز وجل أولى بذلك الحكم،