فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 489

حسنًا رائقًا، وبالخيشوم إذا كان طيبًا أرجًا، وبالمذاق إذا كان حلوًا عذبًا، وبالسمع أن يكون صافي الوقع والصوت، وباللمس أن يكون لينًا ناعمًا. وكانت العجم تقول: القلب والبصر شريكان، والطعم والحس متفقان، والفطنة والحفظ رفيقان، والسمع والمنطق مجتمعان. . . وزعم سابور الملك أنه ليس ينبغي للعامل أن يعتد بقول سبعة من الناس: بقول السكران والدلال والمضحك والعليل والعراف والنمام والنساء.

الجاحظ متعة النفس في صنعته، كيف قلب يراعته فكتب، وريحانة الأنس إذا جد وهزل، تتجلى صنعته في وصفه وروايته وحكايته، وفي جداله وتقريره، وفي تحقيقه ونقله، وتطل الأنفس على روحه من كل باب، وحيث تقلبت في رياض كلامه تشرف على ألوان الإحسان، ويأسر عقلك إذا طالت عشرتك له فتستلم إليه مؤمنًا، وإن كنت من ضعاف الإيمان فيما يحاول سوقك إليه، واستتباعك فيه.

ونختم هذا بفضل صغير رسم فيه الجاحظ صورة أخرى من صور صنعته، في موضوع جد ألبسه صورة الهزل وهو في وصف الذباب ينال من قاضي البصرة، ووصفه في الحق نهاية الفصاحة والاتساع. قال: كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد اللّه بن سوار. لم ير الناس حاكمًا زميتًا ركينًا ولا وقورًا حليمًا، ضبط من نفسه، وملك من حركته مثل الذي ضبط وملك. كان يصلي الغداة في منزله، وهو قريب الدار من مسجده، فيأتي مجلسه فيجتبي ولا يتكئ، فلا يزال منتصبًا لا يتحرك له عضو، ولا يلتفت ولا يحل حبوته، ولا يحل رجلا على أخرى، ولا يعتمد على أحد شقيه، حتى كأنه بناء مبني، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة العصر ثم يرجع لمجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه، بل كثيرًا ما كان يكون ذلك، إذا بقي عليه شيء من قراءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت