السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار.
وماذا أقول، وسامعي يصدق، إن زمانًا أحرج مثلي إلى ما بلغك، لزمان تدمع له العين حزنًا وأسى، ويتقطع عليه القلب غيظًا وجوىً، وضنىً وشجى، وما يصنع بما كان، وحدث وبان، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي فقليل، واللّه شاف كاف، وإن احتجت إليه للناس، ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس، إلى أن تفني الأنفاس بعد الأنفاس، وذلك من فضل اللّه علينا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فلم تعني عيني، أيدك اللّه، بعد هذا بالحبر والورق والجلد، والقراءة والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض، وهل أدرك السلف في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح، وإخلاص المعتقد والزاهد الغالب، في كل ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج، وهوى بصاحبه إلى الهبوط، وهل وصل الحكماء والقدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي، وإلا الرضى بالميسور، وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم، فأين يذهب بنا؟ وعلى أي باب نحط رحالنا؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالمريض الجشع عليها، وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرها؟ هيهات، الرحيل واللذة قريب، والثواء قليل، والمضجع مقض، والمقام ممض، والطريق مخوف، والمعين ضعيف، والاغترار غالب، واللذة من وراء هذا كله طالب. نسأل اللّه تعالى رحمة يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل لمن بعد عن رحمته، بعد أن حصل تحت قدرته.
وختم كتابه بقوله: على أني علمت في أب حال غلب على ما فعلته، وعند أي مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر ما نشرته وطويته، وإذا أنعمت النظر تيقنت أن للّه جل وعز في خلقه