في كل زمان يرهبون القريب من السلطان. ويغتابونه في السر، ويستثقلون ظله أو يعادونه لعدة أسباب؛ فابن الزيات كان يدعو الأمة إلى حرمة القوانين، وكثيرًا في الناس من يحبون أبدًا الخروج عليها، ويمقتون من يدعو إليها ويحنقون عليه، ومنهم الحساد يشق عليهم الإقرار بفضائل أهل الفضل، ومنهم أعداء عزة وأعداء مذهبه. ومثل منصبه الخطير مما تلتهب الصدور إلى الوصول إليه. ومنهم من أبغضوه لمجرد كونه جهميًا كالشيعيين اليعقوبي والمسعودي، ولو كان يذهب في الإمامة مذهبهما لسكتا عن كثير من مساوئه، ولجملاه بصفات هو منها أعرى من مغزل. ومن تولي وزارة أعظم خلافة أربع عشرة سنة، لخليفتين بدون انفصال، وتولاها للثالث أيضًا، على ما لم يكن يعهد له نظير في دولة من الدول، لا يتوقع من الناس كافة أن يجمعوا على حبه. ولكالما سلبت أهواء السياسة من ذوي الفضل فضلهم، ومن أجلها عراهم أرباب اللؤم من محامدهم.
نسبوا إلى أبن الزيات أنه كان يقول إذا استرحمه أحد ممن يعذبهم: الرحمة خور في الطبيعة وضعف في المنة، فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول. ولا دليل على أنه قال هذا القول، ويرد على الخاطر أن أعداءه اخترعوه من عند أنفسهم لينالوا منه عند الخاصة والعامة. وكم من كتاب ألفه مؤلفه فنسبه إلى غيره ليسقطه، وكم من قصيدة قالها رجل فعزاها إلى آخر للوقيعة به، وكأي من حديث وضعه واضعه على لسان من لم يخطر له بهذا الكلام المزور ببال.
وضعوا حكايات أسندوها إلى أشخاص في جمل مزوقة قد تستغوي القارئ الغر، أوردوها في باب الملح والنودار، يشيرون بها إلى لؤم ابن الزيات وتجبيهه الناس؛ زعموا انه بعيد عن إسداء المعروف، يتجافى عن نفع غيره، وما حملوا عليه ولفقوا من الأحاديث المسقطة له إلا أنه وصل إلى المعالي عن جدارة، وكم سعى غيره ليبلغوا منزلته فخابوا وما أفلحوا، وعظم ما رمي به من تلفيق منافسيه