فيه مطابع ولا جرائد ولا مجلات، ولا قطارات ولا بواخر ولا طيارات، ولا برق ولا هاتف ولا مذياع.
خاض الجاحظ عباب أبحاثه بقلبه ونفسه، لا بعينيه وأذنيه فقط. فاستفاض صيته ووصل صوته إلى ابعد مدى، لأنه قام أحسن قيام بما يجب عليه لأمته، ووجب عليه معاناته في دهره، وتداول قومه مصنفاته وهو في الكهولة، وعرفت القاصية والدانية تفوقه على غيره من المؤلفين، وأدرك ذووا البصائر أن كتبه تحمل علما كثيرًا. ذلك لأن أرضى نفسه ما كتب، فأرضى أمته واخذ بمجامع قلبها، والسلطان يومئذ سلطان العلم والأدب، لا سلطان الثرثرة والدعوى.
تضمنت كتب الجاحظ حاجات العقل على وجه الدهر، لأنها ابنة العقل الناضج، وربيبة الروية والتفكير الصحيح، قصد بها التعليم والأرشاد، لا الفساد والافساد، وقدر له بها الإعجاب، ما لم يكتب لملي ولا لذمي من العلماء مثله، ففي المليين مئات، وفي الذميين عشرات، كانت لهم الحظوة عند العامة والخاصة، تحفهم رعاية الأمراء والخلفاء، فتقدمهم الجاحظ في السبق، وهو الزاهد حق الزهد فيما تواطأ الناس على إعظامه من المظاهر الخلابة. كان، والحق يقال، إنسانًا كلامًا أخذ من المادة بقدر ما ضمن له عيشه، وما أسف إلى يسف له أكثر طبقته من العلماء؛ ولو كان للدنيا هوى كبير من نفسه لمتع في قصور الخلفاء بكل ما تطمع فيه، ولكن هدفه كان أسمى من كل هذا؛ كان صاحب فكر، همه نشره لنفع العالمين؛ في دور كان حملة الرأي والرواية من عصرييه بين عالم دين، يصم أذنه عن علوم الدنيا، أو عالم مادة لا يحسن شيئًا كثيرًا من علم الدين، فجمع الجاحظ بين المطلبين، حتى كثر المعجبون به من كل صنف، وما استطاع حساد فضله أن يطفئوا نوره، ولا أن يعموا على الناس أمره، لما أدرك المنصفون أنه على صفات قل أن يدانيه فيها أحد، وعلى ما كان عليه أرباب المذاهب في أشد