جيله عشاق السجع، وكان الهمداني أقلهم به تشبثًا في رسائله لا في مقاماته.
وفي اليتيمة: ويقال إن أحسن رسائله الإخوانيات، ما كاتب به أبا العلاء السروي لصدوره عن صدر مائل إليه، محب له، مناسب بالأدب إياه؛ فصل من رسالة له إليه في شهر رمضان وهو مما لم يسبق إليه: كتابي جعلني الله فداك وأنا في كد وتعب، منذ فارقت شعبان، وفي جهد ونصب، من شهر رمضان، وفي العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من ألم الجوع ووقع الصوم، ومرتهن بتضاعف حرور، لو أن اللحم يصلي ببعضها غريضًا أتى أصحابه وهو منضج، وممتحن بهواجر يكاد أوارها يذيب دماغ الضب، ويصرف وجه الحرباء عن التحديق، ويزويه عن التبصر، يقبض يده عن إمساك ساق وإرسال ساق. . وأحمد اللّه على كل حال وأسأله أن يعرفني فضل بركته، ويلقيني الخير في باقي أيامه وخاتمته، وأرغب إليه في أن يقرب على القمر دوره، ويقصر سيره، ويخفف حركته، ويعجل نهضته، وينقص مسافة فلكه ودائرته، ويزيل بركة الطول من ساعاته، ويرد علي غرة شوال فهي أسر الغرر عندي وأقرها لعيني، ويسمعني النعرة في قفا شهر رمضان، ويعرض علي هلاله أخفى من السر، وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بني عامر، وأضنى من قيس بن ذريح، وأبلى من أسير الهجر؛ ويسلط عليه الحور بعد الكور، ويرسل على رقاقته التي يغشى العيون ضوءها، ويحط من الأجسام نوؤها، كلفًا يغمرها، وكسوفًا يسترهًا، ويرينيه مغمور النور، مقمور الظهور، قد جمعه والشمس برج واحد، ودرجة مشتركة، وينقص من أطرافه كما تنقص النيران من طرف الزند، ويبعث عليه الأرضة، ويهدي إليه السوس، ويغري به الدود، ويبليه بالفار، ويخترمه بالجراد، ويبيده بالنمل، ويجتحفه بالذر، ويجعله من نجوم الرجم، ويرمي به مسترق السمع، ويخلصنا من معاودته، ويريحنا من دوره، ويعذبه كما عذب عباده وخلقه، ويفعل به فعله بالكتاب،