رضيت لنفسك المكافأة اه.
وتكرار أما بعد والعادة ذكرها مرة في أول الخطبة، ومعناها بعد دعائي لك من أجمل مكرراته؛ وكأن الجاحظ بخروجه على مألوف الكتاب في مثل هذا التكرار يبتدع أسلوبًا أو أن ذلك من جملة مبتدعاته في الكتابة.
9 -وله التعازي: أما بعد فإن الماضي قلبك الباقي لك، والباقي بعدك المأجور فيك، وإنما يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب. أما بعد فإن في اللّه العزاء عن كل هالك. والخلف من كل مصاب، وأنه من لم يتعز بعزاء اللّه تنقطع نفسه عن الدنيا حسره. أما بعد فإن الصبر يعقبه الأجر، والجزع يعقبه الهلع، فتمسك بحظك من الصبر، تنل به الذي تطلب، وتدرك به الذي تأمل، أما بعد فقد كفى بكتاب اللّه واعظًا، ولذوي اللباب زاجرًا فعليك بالتلاوة تنح مما أوعد اللّه أهل المعصية.
10 -ومن كلامه: زينك اللّه بالتقوى، وكفاك ما أهمك من الآخرة والأولى. من عاقب أبقاك اللّه على الصغيرة عقوبة الكبيرة، وعلى الهفوة عقوبة الإصرار، فقد تناهي في الظلم. ومن لم يفرق بين الأسافل والأعالي، والأداني والأقاصي، فقد قصر واللّه. لقد كنت أكره سرف الرضا، مخافة أن يؤدي إلى سرف الهوى، فما ظنك بسرف الغيظ، وغلبة الغضب، من طياش عجول فحاش، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرة الحمراء، وأنت روح كما أنت جسم، وكذلك جنسك ونوعك، إلا أن التأثر في الرقاق أسرع، وضده في الغلاظ الجفاة أكمل. ولذلك اشتد جزعي عليك من سلطان الغيظ وغلبته، فإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك، من مقدار عقابك عليه، فانظر في علته، وفي سبب إخراجه إلى معدنه الذي منه نجم، وعشه الذي منه درج، وغلى جهة صاحبه في التسرع والثبات، وإلى حمله عند التعريض، وفطنته عند التوبة، فكل ذلك ذنب كان سببه ضيق صدر من جهة الفيض في المقادير، أو من طريق الأنفة، وغلبة طباع الحمية من جهة