فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 489

بالحق.

ومن استقرائه العلمي في الذباب قوله: وعندنا بالبصرة في الذباب أعجوبة، لو كانت بالشامات أو بمصر لأدخلوها في باب الطلسم. وذلك أن التمر يكون مصبوبًا في بيادر التمر في شق البساتين، فلا ترى على شيء منها ذبابة، لا في الليل ولا في النهار، ولا في البرد ولا في أنصاف النهار. نعم وقد تكون المعاصر، ولأصحاب المعاصر ظلال، ومن شأن الذباب الفرار من الشمس إلى الظل، وإنما تلك المعاصر بين تمرة رطبة ودبس، ثم لا تكاد ترى في تلك الظلال والمعاصر في انتصاف النهار، وفي وقت طلب الذبان الكنّ، إلا دون ما تراه في المنزل الموصوف بقلة الذبان. وهذا شيء يكون موجودًا في جميع الشق الذي فيه البساتين. فإن تحول شيء من تلك البادية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة غشية من الذبان ما غشى أن لا يكون بأرض الهند أكثر منه. وليس بين جزيرة دبيس وبين موضع الذبان إلا فيض البصرة، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب وبين موضع الذبان مما يقاربه إلا فرسخان، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة، ولا تكون تلك المسافة إلا مائة ذراع أو أزيد شيئًا أو أنقص شيئًا.

وأعجوبة أخرى، وهي عندي أعجب من كل شيء صدرنًا به جملة القول في الذباب. فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينام كالعصافير والتنوط، فإنهما إذا كان الليل فإن أحدهما يتدلى من غصن الشجرة ويضم عليه رجليه وينكس رأسه، ثم لا يزال يصيح حتى يبرق النور، والآخر لا يزال ينتقل في زوايا بيته، ولا يأخذه القرار خوفًا على نفسه، فلا يزال كذلك، وقد نتف قبل ذلك مما على ظهور الأشجار ما يشبه بالليف، فنفشه ثم فتل منه حبلًا، ثم عمل منه كهيئة القفة، ثم جعله مدلى بذلك الحبل، وعقده بطرف غصن من تلك الأغصان، إلا أن ذلك بترصيع ونسج ومداخلة عجيبة، ثم يتخذ عشه فيه، ويأوي إليه مخافة على نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت