فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 489

فيختار من الأصوات ما يفعل في النفوس، فيسليها ويطربها وهو يعلمها، ويلعب بالألباب، في كل رسالة له وكتاب. تتجلى في أقواله ورواياته واستنباطاته وفرة المادة، ووفرة البحث، وكثرة ما تعلم، وهضم ما تعلم، فكتبه أعيان متحركة غير جامدة جمود حروفها، تأخذ من كل وجوه الإجادة بأوفر نصيب، وتدور على حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف.

ما كتب الجاحظ وألف إلا عن باعث، وكان في الأكثر يتقدم فيعرض ما حمله على التأليف؛ قال في وصف كتاب الحيوان: وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن كان عربيًا أعرابيًا وإسلاميًا جماعيًا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع معرفة السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسة، وإحساس الغريزة. ويشتهيه الفتيان، كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو، ما يشتهيه المجد ذو الحزم، ويشتهيه الغفل، كما يشتهيه الأريب، ويشتهيه الغبي، كما يشتهيه الفطن؛ ثم ذكر مزاعم الناس في تزييف الكتب، والسبب الذي يدعوهم إلى إسقاطها، فقال: وليس هذا الكتاب يرحمك اللّه في إيجاب الوعد والوعيد، فيتعرض عليه المرجيء، ولا في تفضيل علي فينتصب له العثماني، ولا هو في تصويب الحكمين فيتسخطه الخارجي، ولا هو في تقديم الاستطاعة فيعرضه من يخالف التقديم، ولا هو في تثبيت الأعراض فيخالفه صاحب الأجسام، ولا هو في تفضيل العجم على العرب، وعدنان على قحطان، وعمروا على واصل، فيرد بذلك الهذلي على النظامي، ولا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة، ولا هو في تفضيل امرئ القيس على النابغة، وعامر بن الطفيل على عمرو ابن معدي كرب، وعباد بن الحصين على عبيد اللّه بن الحرة، ولا في تفضيل ابن سريج على الغريض، ولا في تفضيل سيبويه على الكسائي، ولا في تفضيل الجعفري على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت