فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 489

منح عبده عقلًا وعرفه طرق الخير والشر وهو مسؤول عن عمله؛ ولعلك أدركت أيضًا أن خطاب الجاحظ في النسك كان موجهًا لكل من يقرأ كلامه عربيًا كان أو أعجميًا، مسلمًا كان أم كتابيًا، موافقًا كان أم مخالفًا. لأن الكاتب كاره للنساك على هذا الوجه مهما كانت صورتهم ونحلتهم، يعتقد المضار التي يجلبونها على المجتمع الإنساني عامة؛ وكلام الجاحظ فيهم يبقي في نفسك أثرًا إذا تدبرته، وهذا من صنعته وفنه، ويد صنا كيده لا تجري في غير إبداع، فقد عقد فصلًا في الشعر يكثر ويقل في القبيل الواحد لدواع وبواعث، لا لمكان الخصب من أرضهم، ولا لأنهم أهل مدر وأكالو تمر، وقد يكون غذاء بعضهم رديئًا يأتي فيهم الشاعر وإنما ذلك على قدر ما قسم اللّه لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها، وقد ختم كلامه بقوله: وما أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية اللّه أعظم من أن يكون الرجل ممدوحًا.

وكذلك تأمل صنعته في أبانته عن رأيه في عدم تغليظ حجاب النساء: ثم لم يزل للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج ويدخلن في الدواوين، ونساء يجلسن للناس. . . ثم كن يبرزن للناس أحسن ما كن وأشد ما يتزين به، فما أمكر ذلك منكر ولا عابه عائب. . . والدليل على أن النظر إلى النساء كلهن ليس بحرام أن المرأة المغنية تبرز للرجال فلا تحتشم من ذلك، فلو كان حرامًا وهي شابة لم يحل إذا غنت، ولكنه أمر أفرط فيه المعتدون حد الغيرة، إلى سوء الخلق وضيق العطن، فصار عندهم كالحق واجب تدبر قوله ولكنه أفرط فيه الخ، فإن فيه صنعة؛ وكذلك قوله في كتاب النساء: ولسنا نقول، ولا يقول أحد ممن يعقل، أن النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو بأكثر، ولكننا رأينا أناسًا يزورن عليهن أشد الزراية، ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن، وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والاعتصام، إلا بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت