وعرف له الخاصة نبوغه، حتى وصل إلى المأمون. قالوا إن أول ما ارتفع به أن الأمين لما قتل أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا فقال طاهر: أريد أخصر من هذا؛ فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة؛ فاحضره لذلك، فكتب: أما بعد فان المخلوع قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، قد فرق بينهما حكم الكتاب في الولاية والحرمة بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن إجماع المسلمين، لقول اللّه عز وجل فيما اقتص من أنباء نوح وابنه (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ، ولا طاعة لأحد في معصية اللّه ولا قطيعة ما كانت في ذات اللّه، وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد أنجز اللّه له ما كان ينتظر من سابق وعده، والحمد للّه الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له فيمن خان عهده، ونقض عقده، حتى رد به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء به أعلام الدين بعد دروسها، وقد وجهت إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب، والحمد للّه الآخذ لأمير المؤمنين بحقه، والراجع إليه تراث آبائه الراشدين.
وبعد هذا الكتاب انتشر صيت أحمد لتجويده في موضوع يصعب على كل كاتب أن يجود فيه لدقته، وقد أبدع في ذكر الغرض، وأتي بكلام فيه صنعه عجيبة لتخيف مصيبة المأمون بأخيه الذي نازعه، فقلل من شأن الخطب بأخصر أسلوب، أما غيره من زملائه الكتاب فقد أطالوا، والإطالة في مثل هذا الموقف غير محمودة، فقدر لأحمد أن يبذهم لمعرفته بصناعته، وبما يجب أن يخاطب به الخليفة المأمون وهو بين حسرة وغبطة؛ وساعده على الظهور أن طاهر بن الحسين الخزاعي أكبر قواد المأمون والذي تولي إطفاء الفتنة وقتل الأمين كان كاتبًا من الطراز الأول، يعرف مقدار كد الأفهام وينثر المليح العالي من الكلام، ومثله من يحكم لأحمد بن يوسف أو عليه، فخصه لما رأى من طول باعه