ينفق مما عنده، وليس عندكم إلا الخير، ولا في أوعيتكم إلا الرحمة، وكل أناء بالذي فيه ينضح.
2 -وكتب إلى محمد بن عبد الملك: أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الأنصاف، ورجح في قلبك أيثار الأناة، فقد خفت، أيدك الله، أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد فقد قال عبد الرحمن بن ثابت:
وأن امرأ أمسى واصبح سالمًا ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
وقال الآخر:
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
فإن كنت اجترأت عليك، أصلحك الله، فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال الذي يورث الأغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافئة، ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرًا لي منك، رهبني فاتقاني، وأعطاني فأغناني. فإن كنت لا تهب عقابي، أيدك الله، لخدمة فهبه لأياديك عندي، فإن النعمة تشفع في النقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فأتي ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والأنعام إلا منك، هجمت عليه بالعقوبة. وأعلم أيك الله، أن شين غضبك علي كزين صفحك عني، وأن موت ذكري مع انقطاعي سببي منك، كحياة ذكرك مع اتصال سببي بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم والسلام.
3 -وكتب إلى أبي حاتم السجستاني وبلغه عنه أنه نال منه: أما بعد فلو كففت عنا من غربك، لكنا أهلا لذلك منك؛ فلم يعد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح.