يقول ابن أبي الحديد إن المرتضى لما رأى الجاحظ وافق غرضه مرة استجاد قوله فكناه، مع أنه ما كناه أصلا قال: فسبحان الله ما أشد حب الناس لعقائدهم.
رأينا الجاحظ يجادل أهل الكتاب بالحسنى فينفي عن النصارى لما جاء يحاجهم معرفة الفسلسفة، ويقول ليس لهم إلا حكمة الكف من الخرط والنجر والتصوير وحياكة البزيون. وكتب المنطق والكون والفساد، وكتاب العلوي والمجسطي والهندسة والطب ليست للمصاري، بل هي لأرسطاطاليس وبطلميوس وأقليدس وجالينوس وديمقراط وأبقراط وغيرهم.
هؤلاء الناس من أمة قد بادوا وبقيت عقولهم، وهم اليونان، ودينهم غير دينهم، وأدبهم غير أدبهم؛ أولئك علماء وهؤلاء صناع. أخذوا كتبهم لقرب الجوار، وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى ملتهم. وقال: إن أكثر من قتل من الزنادقة - ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره - هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى، على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة، ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك قال: ومما عظم النصارى قي قلوب العوام، وحببهم إلى الظغام، أن منهم كتاب السلاطين وفراش الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة. ولا تجد اليهودي إلا صباغًا أو حجامًا، أو قصابًا أو شعابًا.
وذكر أن المسلمين يبجلون النصارى أكثر من اليهود، لأن النصرانية كانت فاشية في العرب وعليها غالبة، إلا مضر فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم، نزلوا الحيرة يسمون العباد، فإنهم كانوا نصارى وهم مغورون مع نبذ بسير في بعض القبائل، ولم تعرف مضر إلا دين العرب ثم الإسلام، وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها: على لخم وغسان والحارث ابن كعب بنجرات وقضاعة وطي في قبائل كثيرة وأحياء معروفة، ثم ظهرت في ربيعة فغلبت على ثعلب وعبد القيس وأفناء بكر ثم في آل