المكاسب والمطالب. وقال في مقدمة رسالة الحنين إلى الأوطان: إن لكل شئ من العلم، ونوع من الحكمة، وصنف من الأدب، سببا يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتا، ومعنى يحدو على جمع ما كان متفرقا، ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار، واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس إلى شكله، وتأليف كل نادر من الحكمة إلى مثله، بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ودرس مشهور كل نادرة، ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول يتعلم من الآخر.
وهكذا تراه يتفنن في مقدمات كتبه ورسائله تفننه في تأليفها ووضعها، فقد قال في مقدمة كتابه البخلاء: ذكرت حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سراق الليل، وأنك سددت به كل خلل، وحصنت به كل عورة، وتقدمت بما أفادك من لطائف الخدع، ونبهك عليه من غرائب الحيل، فيما عسى أن لا يبلغه كيد، ولا يحوزه مكر، وذلك أن موقع نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب، وقلت اذكر لي نوادر البخلاء، واحتجاج الأشحاء، وما يجوز من ذلك في باب الهزل، وما يجوز منه في باب الجد، لا جعل الهزل مستراحا، والراحة جماما، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولابد لمن التمس نفعه من مراجعته.
وبدا كتابه المحاسن والأضداد بقوله: كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان والمدن والحصون، مثل بناء أردشير وبناء إصطخر، وبناء المدائن والسدير، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان، وتفردت بالكتب والأخبار والشعر والآثار، فلها من البنيان غمدان، وكعبة نجران، وقصر مأرب وقصر مارد، وقصر شعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان. وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على ممر