العلماء، ولأئمة الأدباء.
فهو إذا يتعمد رفع الملل عن قارئه وعدم إضجاره بالدوام على الجد، لأن الأذن مجاجة وللنفس حمضة كما روى ابن قتيبة وزاد هذا بأن المزاج إذا كان حقًا أو مقاربًا، ولأحايينه وأوقاته وأسباب أوجبته مشاكلًا، ليس من القبيح ولا المنكر، ولا من الكبائر ولا من الصغائر، ورغبات الناس متفاوتة وإنما الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين. ومعنى الأذن مجاجة وللنفس حمضة، أن الأذن لا تعي كل ما تسمعه، وهي مع ذلك ذات شهوة لما تستطرفه من غرائب الحديث ونوادر الكلام. وهكذا شرحها الجاحظ وقال إنها كلمة للقدماء.
وقال في كتابه النساء: وليس ينبغي لكتب الآداب والرياضيات أن يحمل أصحابها على الجد الصرف، وعلى العقل المحض، وعلى الحق المر، وعلى المعاني الصعبة التي تستكد النفوس، وتستفرغ المجهود، وللصبر غاية، وللاحتمال نهاية، ولا بأس بأن يكون الكتاب موشحًا ببعض الهزل، على أن الكتاب إذا كثر هزله سخف، كما أنه إذا كثر جده ثقل، ولا بد للكتاب من أن يكون فيه بعض ما ينشط القارئ، وينفي النعاس عن المستمع.
أدرك الجاحظ بحكمته نفسية البشر، وما ينفعهم وما يضربهم، وما يخملهم وما يحمسهم فقال: وخير الناس السهل الطلق الوجه المتواضع، وفراسة الرجل السوء أن يكون منقبضًا غير منشرح، وأن يرى لونه إلى الصفرة والكمود من غير مرض، وأن يكون طائش القلب، وأن يكون للدعاية والمزاح كارهًا وله عائبًا، وأن تراه غليظ اللفظ عند المحاورة. ومن فراسة الرجل الصالح أن تراه سهلًا طلقًا، ذا منظر بهي، وكلام شهي، سبط الجبين غير منقبض، ولا نزق غلق قلق، وغير كاره للدعابة والمزاح، يذكر من يذكر بخير، لين المحاورة متواضعًا. ورجال الجد