فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 489

إلا كانت له مزايا تنفع دولتهم.

وأصاب الصولي ما يصيب قربان الملوك من السعادة ونقيضها، وعانى من الكبراء ما يعانيه أمثاله ممن تطوحوا في الخدمة؛ وكان بعض ما نال مما أوقعته فيه المنافسة، وبعضه مما استحق عليه النكبة: جرى في طريقة جال الدولة المطلقة المستبدة، فمثل صورة صحيحة من مجتمعه، على ما كان كلامه صورة صادقة من قلبه وفكره، ودخل فيما يدخل فيه نظراؤه من أرباب الولايات، وما خرج على مألوفهم، بل ضرب على وترهم، وحطب في حبلهم، تآمر على خصمائه وتآمروا عليه، وضربهم وضربوه، ومدح الناس ومدحوه، وثلبهم وثلبوه، وحسدهم وحسدوه، وكان في كل ما أتى مدفوعًا بنابل من تربية عصره ومصره، تجسدت فيه أخلاق عصرييه، فانعكس كل ما رأى على صحيفة شعره ونثره، فردده وردد عنه حتى عاد بعد أمثالًا.

لما عزم المأمون على الفتك بالفضل بن سهل عرف الصولي ذلك من صديق له كان من بعض من وضعوا له، فما رأى إلا القيام بحسن الصنيعة مع الفضل؛ وقد عاش هو وأخوه عبد اللّه في حمايته واصطناعه، ورفع منهما وحنى عليهما، فأخبر الفضل بما يدبر له، وانتهى الخبر إلى المأمون، فعرف أن الصولي قد أبلغ الفضل ما يراد به، فطلبه فاستتر، ثم عفا عنه بما بلغه عنه من جواب لطيف، دل على بعد نظر وذكاء.

بدأت حياة إبراهيم في السياسة زمن المعتصم، وسار سيرة أرباب الإدارة إذ ذاك، يأخذ ويعطي من مال الأمة والدولة، ويقلد كبار العمال في مظاهرهم، ولا يتعفف عن مال ومتاع؛ كان مظهرًا من مظاهر العاملين في الدولة، يستمتع بخيراتها أنى وجدها، ويفوقهم بأنه كان على جانب عظيم من المروءة وسعة الفضل؛ ولا عجب إن سار الصولي هذه السيرة، وقد كان في زمن يكتب فيه مثل أبي العيناء النديم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت