ونعمه السالفة عليه، لكان لذلك أهلًا وله مستحقًا، وقد غره الإملاء، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ؛ وصاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة، نعاق في الهرج، قد أقصاه عز السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وحارص لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمر سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ممن يرب قديمًا بحديث، ولا يحفل بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين، وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام، وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله.
كتب إلى هذا الفتح بن خاقان وزير التوكل في المشكلة التي كان يراها رجال الدولة من أهم ما يعالج يومئذ، وهي مسألة اللغط في الجيش من تسرب الأتراك إليه. ومن يقرأ رسالته في مدح الأتراك لا يصعب عليه أن يدرك أن الجاحظ على بلاغته ولطيف حيلته، كان هنا يجمجم ولا يصرح، هو بحكم دمه وتربيته ومنشئه يحب العرب، وبعد سائر الأمم دونهم في المنزلة والجنس، ويرى أن نساء العرب في الجملة أعقل من رجال العجم، ويقول: فما ظنك بالمرأة منهم إذا كانت مقدمة فيهم، ويقول: لم يكن لعبد المطلب في قريش نظير، كما أنه ليس في العرب لقريش نظير، وكما أنه ليس في العرب للناس نظير. وأكثر أبناء دعوته من الترك في الجيش؛ وصات للأتراك في الدولة الكلمة المسموعة، فصبا إلى أن يوفق بين المصليين، مصلحة الدولة في القضاء على تحاسد العناصر في جيشها، والخوف من هؤلاء الأتراك، وقد بدت طلائع سلطانهم، وتجلى بطشهم وفتكهم، وكادت تعرف مراميهم وعلى هذا كان الجاحظ على بعض صواب في كتابه هذا، وإلى