حقيقة، وقد يتوقع منها مأرب آخر، هذا إذا كان يريد بعبارته ما فهمناه منها، فإن هذا التصريح مما يعاب عليه، وما نرى هذه الأفكار تلتئم مع الفلسفة والتصوف. على أننا أبا حيان في بعض أحواله ومواقفه يقول غير هذا، رأيناه يقول وقد رأى في جامع الرصافة المعافا بن زكريا ينام مستدبر الشمس في يوم شات، وبه من أثر الفقر والبؤس والضر أمر عظيم، مع غزارة علمه، واتساع أدبه، وفضله المشهور، ومعرفته بصنوف العلم، سيما علم الأثر والأخبار وسير العرب وأيامها فقال له: مهلًا أيها الشيخ وصبرًا، فإنك بعين الله ومرأى منه ومسمع، وما جمع الله لأحد شرف العلم وعز المال فقال: مالا بدء منه من الدنيا فليس منه بد، ثم قال:
يا محنة الدهر كفي ... إن لم تكفي فخفي
قد آن أن ترحمينا ... من طول هذا التشفي
طلبت جدًا لنفسي ... فقيل لي قد توفي
فلا علومي تجدي ... ولا صناعة كفي
ثور ينال الثريا ... وعالم متخفي
نموذجات من كتبه:
نقلت كتب أبي حيان أفكارًا منوعة، وفلسفة أناس كانت تنسى أخبارهم، لو لم يتصد لتدوينها، وفي اقتباس صفحات قليلة منها تتجلى ألوان أدبه وسهولة بيانه. قال في كتاب المحاضرات:
ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متى واختصرتها فقال لي: أكتب هذه المناظرة على التمام، فإن شيئًا يجري في ذلك المجلس النبيه، وبين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام، ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى فوائده، ولا يتهاون بشيء