خصومه في دعواهم أنه كان يقول الشيء ونقيضه، على أن هذا أيضًا ضرب من البلاغة، وأسلوب من أساليب الصنعة، ولا يتيسر مثله لغير أفراد في البلغاء، فقد يوفي الكاتب موضوعه عند نفسه، ويلونه للوصول إلى تعريفه ألوانًا مغرية، ولكنه قد لا يرضي غيره ولا يبلغ حاجته لأمور تنقصه.
استمع للجاحظ قطعة أخرى ينفض إليك فيها جملة حال النساك ويصنف لك طبقاتهم، ويصف لك الدواعي التي أهابت بهم إلى التنسك المصنع، فتركوا الكدح في الحياة، ورضوا أن يكونوا حملة طفيلية تمتص رزق غيرها قال: وجدنا لجميع أهل النقص، ولأهل كل صنف منهم نسكًا يعتمدون عليه في الأعمال، ويحتسبون به في الطاعة وطلب المثوبة، ويفزعون إليه على قدر فساد الطباع، وضعف الأصل، واضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، وقلة التثبت والتوقف، ومع كثرة التقلب والإقدام مع أول خاطر، فنسك المريب المرتاب من المتكلمين أن يتحلى برمي الناس بالريبة، ويتزين بإضافة ما يجد في نفسه إلى خصمه، خوفًا من أن يكون قد فطن له، فهو يستر ذلك الداء برمي الناس به، ونسك الخارجي الذي يتحلى به ويتزيا بجماله، إظهار استعظام المعاصي، ثم لا يلتفت إلى مجاوزة المقدار، وإلى ظلم العباد، ولا يقف على أن اللّه تعالى لا يحب أن يظلم أظلم الظالمين، وأن في الحق ما وسع الجميع، ونسك الخراساني أن يحج وينام على قفاه، ويفقد الرياسة ويتهيأ للشهادة ويبسط لسانه بالحسبة. وقد قالوا إذا نسك الشريف تواضع، وإذا نسك الوضيع تكبر، وتفسيره قريب واضح. ونسك الكوفي والجندي طرح الديوان وزيادة السلطان، ونسك دهاقين السواد ترك شرب المطبوخ، ونسك الخصي لزوم طرسوس، وإظهار مجاهدة الروم، ونسك الرافضي ترك النبيذ، ونسك البستاني ترك سرقة الثمر، ونسك المغنى الصلاة في الجماعة، وكثرة التسبيح والصلاة على النبي، ونسك اليهودي التشدد في السبت وإقامته،