يقوله فيه أصحاب الأهواء من القراء، المكثرين من الضجة حول أول نشره، وتحكم على مبلغه من الإجادة محكمة، لك أن تقول إنها مؤلفة من ملائكة، أو من جمهرة لا تحابيك برشوة، ولا تخافك لبأسك وسلطانك، وهي تقضي وتمنح جلاء المجد وعلاقيته لمن هو خليق بهما. وأمثال هذه الأسفار فقط يحق لها أن تحيا. أما المذهبة المعلمة المعمولة بالرقوق المزينة بالنقوش، وإن وزعها صانعها على الوراقين بأسرهم، فإنها تبيد، ولا تصيب من الرواج أكثر مما لها الحق فيه.
ليس في الأرض أزيد من أثني عشر شخصًا، في آن واحد، يقرؤون كتاب أفلاطون ويفهمونه. ويتعذر عليك أن تجمع من مجموع قرائه من النقود ما يصح الاعتماد عليه لإعادة طبع كتابه. ومع هذا ترى مصنفه يصل إلى كل جيل لينتفع به هؤلاء الأشخاص القلائل، كأن اللّه أرسله إليهم مباشرة.
يقول بنتلي: ما من كتاب سقط وباد إلا بما حوته دفتاه - ولا يحدد بقاء الكتاب بما نال من حب أو بغض، ولا يخلد إلا بما فيه من قيمة ذاتية، وبما يحمل من حاجات العقل على الدهر.
لا يعرف الرجل العظيم أنه على شيء من العظمة، والعظمة لا يحرزها إلا إذا أتى عليه قرن أو قرنان، لتكشف للملأ حقيقته. هذا وهو يعمل لأن من واجبه أن يعمل، والدواعي والبواعث حاكمة عليه، ويومئذ يعظم في العيون، وكل ما انبعث منه يغدو رمزًا عامًا، ومثالًا يقتدي به، حتى ما كان من حركة إصبعه الصغرى، وما تناوله من طعام وإدام، فيسمي بذلك صاحب السلطان الأكبر على العقول، والدهماء تعجب بطريقته.
قالوا إن الصورة لا تكذب، والمرء إذا نطق بالحق، بفكر حق، كانت عينه أصفى من السماء، ومتى خالف ذلك وأورد الزور والبهتان، اختلجت عينه وربما أصيبت بالحول.