الجهة هو الذي يكون به جميع الإبرام والنقض، ودقيق الأمور وجليلها، وهذه الحكم العجيبة، والتدابير المتقنة، والتآليف البديعة، والتركيب الحكيم، على حساب معلوم، ونسق معروف على غاية من حقائق الحكمة، وإحكام الصنعة. . لأن الدهري ليس يرى أن في الأرض دينًا أو نحلة أو شريعة أو ملة، ولا يرى للحلال حرمة ولا يعرفه، ولا للحرام نهاية ولا يعرفه، ولا يتوقع العقاب على الإساءة، ولا يتوخى الثواب على الإحسان، وإنما الصواب عنده والحق في حكمه، أنه والبهيمة سيان، وأنه والسبع سيان، ليس القبيح عنده إلا ما خالف هواه، وإن مدار الأمر على الإخفاق والدرك، وعلى اللذة والألم، وإنما الصواب فيما نال من المنفعة، وإن قتل ألف إنسان صالح لمنالة الدرهم الرديء. . . .
وقال في المنانية أصحاب ماني: إن أناسًا حين جهلوا الأسباب والمعاني، وقصروا في الخلقة عن تأمل الصواب والحكمة فيها خرجوا إلى الجحود والتكذيب حتى أنكروا خلق الأشياء. وزعموا أن كونها بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير، فكانوا بمنزلة عميان دخلوا دارًا قد بنيت أتقن بناء، وفرشت أحسن فرش، وأعد فيها من ضروب الأطعمة والأشربة والمآدب، ووضع كل شيء من ذلك في موضعه على صواب وتقدير، فجعلوا يسعون فيها محجوبة أبصارهم فلا يبصرون هيئة الدار وما أعد فيها، وربما عثر والواحد منهم بالشيء قد وضع في موضعه وأعد لشأنه، وهو جاهل بالمعنى فيه فتذمر وتسخط وذم الدار وبانيها.
فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أمكروا من الخلقة، وأنهم لما غبيت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء، صاروا يجولون في هذا العالم كالحيارى لا يفقهون ما هو عليه في إتقان خلقته، وصواب هيئته، وربما وقف الواقف منهم على الشيء يجهل سببه والأرب فيه، فيسرع إلى ذمه وعيبه ووصفه بالخطأ والإحالة، كالذي أقدمت عليه وجاهرت به المنانية الكفرة، وأشباههم من أهل