ويستعد للنقمة منه، وطلب الذحل عنده فبثت تلك الضغائن في الأنباء بعد الآباء، فانظروا يا أهل الإسلام من أين دب الشيطان بلطيف مسالكه، وعلى أي شئ ورد، وإلى أي أمر تسامى، حتى عم بالمعصية أهل الإسلام عامة اه.
واستفدنا أيضًا من هذه الرسالة أن لبلاد كانت تموج بالفتن أواخر عهد الخليفة مروان بن محمد الأموي، وأن عبد الحميد يريد بتأثير قلمه أن ينزع أهل الأقطار عن التردي في مهالكها؛ ولكم كتب من مثلها منذ نادى أهل خراسان بشعار العباسيين يا ترى؟. وما نظن إلا أن مجموعة رسائله تبلغ أكثر من ألف ورقة لا كما قال بعضهم؛ وقد عرفنا بهذا النموذج الضئيل الذي بقي من ذاك التراث العظيم أن صاحبنا كان بعيد النظر في السياسة، شديد الغيرة على سلطان بني أمية، عارفًا بما سيحل بالدولة، وود لو يتحيل لها بمخرج ينجيها ولو بعض الشئ من المأزق الذي صارت إليه، حتى لقد أراده على أن يعمد إلى الزواج السياسي من بني هاشم بالإصهار إليهم. قال لمروان حين رأى علو أمر بني العباس: أتتهمني يا أمير المؤمنين فيك؟ قال: لا. فقال له: أرأيت إبراهيم بن محمد بن علي أليس ابن عمك؟
قال: بلى. قال: فإني أرى أموره تنبع عليك فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر كنت أعلقت بينك وبينه سببًا، وإن كفيته بصهره. فقال: ويحك الله لو علمته صاحب الأمر لسبقت إليه، ولكن ليس هو بصاحبه، فقال له: وما يضرك من ذلك، وهو من القوم الذين تعلم أن الأمر منتقل إليهم لا محالة، وأن الصواب أن تعلق بينك وبينهم سببًا. قال مروان: والله إني لأعلم أن الرأي فيما تقول، ولكني أكره أن أطلب النصر بأحراح النساء.
لعبد الحميد الأكبر رسالتان كبيرتان: الأولى رسالته في نصيحة ولي العهد، والثانية رسالته إلى الكتاب؛ كتب الأولى على لسان مروان إلى ابنه وولي عهده