فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 489

التثقيف أو الفن في كلام الجاحظ نقول: تدبروا كلامه تدركوا مبلغه من الصنعة. وإذا كان لابد من تحليل صنعته نقول: كان اتساع أبي عثمان في اللغة لا يشبه اتساع اللغويين، استبطن من أسرارها ما يقل استبطان مثله على غيره، وعرف طوائف من الألفاظ تصليح في الأدب، وطوائف تصلح في الزراعة، وأخرى للصناعات وأعمال الحياة، وغيرها للدينيات ومطالب العقبي، عدا ما خص بمعرفته من الألفاظ الصالحة لكل شأن. كان جد عارف بما يختار ويطرح، يقدر اللفظة بجرسها ورنتها، وما ينوقع من تأثير توقيعها وتلحينها إذا قرنت إلى أختها، ويميز الثقيلة والخفيفة، والمأنوسة من الوحشية، فيختار ما يؤدي جملته حق الأداء، فإبداعه في فنه يرجع أولًا إلى ما يختار من الألفاظ.

كان نحاتًا وبناءً في آن واحد: يجود نحت أحجاره، ويحسن رصفها في البناء، والمهارة كل المهارة في إبراز المتماثل من المواد إلى جانب ما يوائمها، وقد يستجيد الباني أجمل الأحجار لبنائه، فإذا لم يحسن الهندسة فقد البناء روعته المشعرة بأن الباني عليم بالجمال. يقول العسكري: إن المعاني مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي، وإنما تتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها.

أعظم ما تدور حوله صنعة الجاحظ إذا لباقة في تصيده من بحر اللغة المتلاطمة أمواجه في صدره. هو لم يستعمل إلا ما عذب في المذاق، وحلا في السمع، وما تحذلق قط فأكره خشن الألفاظ على أداء ضعيف المعاني، وما عمد إلى سهل اللفظ للإفصاح عن سهل المعنى، وهواه أبدًا أن يتخير ألفاظًا لمعانيه، لا معاني لألفاظه. يسير مع الطبع، ولا يتكلف السجع، ويكتفي منه بما جاء عفوًا في الأحايين، متجافيًا عن خشونة التعمل، ورعوثة التعقيد، وآية صنعته ولوعه بتصوير المعاني، وتقريبها من الأذهان ليخرج التالي بشيء يبقى في نفسه. إذا عرفنا كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت