عوضًا. ذلك لأن هذه الثروة تافهة لمن تولى الوزارة أربع عشرة سنة، وكان أهله أغنياء موسرين. وقضى ابن الزيات نحبه في التنور الذي قيل إنه كان اتخذه أيام وزارته من حديد وأطراف مساميره المحدودة إلى داخل وهي قائمة مثل رأس المسال، وكان يعذب فيه المصادر، وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال. وكان يقول لنفسه قبل موته بيومين أو ثلاثة: يا محمد بن عبد الملك لم تقنعك النعمة والدواب الفره، والدار النظيفة والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك فكان يكرر ذلك على نفسه فلما كان قبل موته بيوم ذهب عن عتاب نفيه، فكان لا يزيد على التشهد وذكر الله. وراح أعداؤه يصنعون عن لسانه أقوالًا وأشعارًا ربما لم يقلها، ويزورون ما يحاولون به إلقاء الغطاء على محاسنة الكثيرة.
نموذج من إنشائه:
لم يؤلف ابن الزيات كتابًا في موضوع خاص، صرف جميع ما أوتيه من موهبة البلاغة في رسائل الدولة، وذكروا ان له كتاب رسائل قدره خمسون ورقة ولم يعثر عليه، والمعقول أن يكون خلف مئات من الأوراق، والباقي اليوم من رسائله في دواوين الأدب لا يتجاوز بضع صفحات، وله ديوان شعر رائق؛ ومن كتبه عهد الواثق على مكة كتبه بحضرة المعتصم وهو: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد قلدك مكة وزمزم، وتراث أبيك الأقدام، وجدك الأكرام، وركضة جبريل، وسقيا إسماعيل، وحفر عبد المطلب، وسقاية العباس، فعليك بتقوى الله تعالى والتوسعة على أهل بيته، وهذا من الإيجاز المعجب الذي تمليه قريحة اعتادت البديهة واهتادت الروية، وما أحلى قوله: ركضة جبريل وسقيا إسماعيل، وهي من التعابير التي يفترعها أمثاله من الكاتبين.
أمر الواثق ابن الزيات أن يتلطف بعبد الله لابن عمه إسحاق بن إبراهيم، فكتب: