فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 489

وقال ثابت بن قرة الصابي وهو من المعاصرين للجاحظ ومن أكبر فلاسفة العباسيين وأكثرهم إجادة في تأليفاتهم: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس: أولهم عمر بن الخطاب، والثاني الحسن البصري، والثالث الجاحظ، وقال فيه: إنه خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومدره المتقدمين والمتأخرين، أن تكلم حكى سبحان وائل، وأن ناظر ضارع النظام في الجدال، وأن جد خرج من مسك عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد: حبيب القلوب، ومراح الأرواح، وشيخ الأدب ولسان العرب، كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آلفًا، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء، الخلفاء تعرفه، والأمراء تصفه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم له، والعامة تحبه، جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، وظهرت خلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب.

هذه ثلاث شهادات في الجاحظ، الأولى لرجل عاصره وعرفه عن أمم، والثانية لعالم جاء بعده وشهد فيه هذه الشهادة، شهادة شيعي في معتزلي، والثالثة لصابي النحلة وشهادته شهادة بريء من الغرض؛ وإذا حدثت نفسك بأن هذه الشهادات قليلة نورد لك غيرها، الأولى للمرزباني من أثمه الأدب جاء فيها: أن الجاحظ كان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا، وإن له كتبًا كثيرة مشهورة جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذهب المخالفين، والآداب والأخلاق، وفي ضروب من الجد والهزل، وقد تداولها الناس وقرؤوها، وعرفوا فضلها. قال: وإذا تدبر العاقل المميز أمر كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول، وشحذ الأذهان، ومعرفة أصول الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت