وعلى صاحبه كده، مع تعرضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة، ومعانية على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأولين والحسدة. وبديهي أن المتأولين والحسدة لا يرضيهم منه إلا أن ينقطع عن التأليف ليساويهم في قصورهم، ولذلك كان من الطبيعي أن لا يناقشهم لأنهم طلقوا المنطق في حواره، وأبهموا وما أبانوا في وجوه اعترضهم على أفكاره، والكلام المجمل يحتاج إلى تفضيل، وهم عاجزون عن الإدلاء بحق، وهو في غنية عن أن يعرض لكلام من قتلهم الحسد.
على أنه عرض في الحيوان لأولئك الذين ينالون منه بالباطل بقوله: ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويظهر اصطناع الكتب في هذا الدهر، لما احتجت في مداراتهم واستمالتهم، وتوفيق نفوسهم، وتشجيع قلوبهم، مع كثرة فوائد هذا الكتاب، إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأن الذي أفيدهم إياه أستفيده منهم، وحتى كأن رغبتي في صلاحهم، رغبة من رغب في دنياهم. وقال في غرض كتاب آخر: وقد جمعنا في هذا الكتاب جملًا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار، ولعل بعض من لم يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلام، يظن أن تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيد والتجويد، ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره. كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه. وما أحلى هذا القسم وما أجمل مغزاه.
ومما كان المعتزلة يتشددون في الحديث وتأويله وروايته، ويرددون كثيرًا مما لم يثبت من طرق موثوق بصحتها، ويسمون المكثرين منه على علاته الحشوية، أبت نفس الجاحظ بالضرورة أن يكون في الحديث حاطب ليل، فما كان من الأحاديث مرضي الإسناد صحيح المخرج قبله، وما كان مسخوط الإسناد فاسد المخرج نبذه.