ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ونكت بقلمه ثم قال:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج
قال: فعجبنا من سرعة طبعه، وجودة قريحته؛ وشاعت الأبيات الثلاثة في المتأخرين حتى أصبحت مما لا يكاد يغفل عن التمثل أحد؛ وكذلك كثير من أبياته، وقل في الناس من يعرف ناظمها.
ومما ذكروا من بدائع بدائعه: أنه خرج ودعبل الخزاعي وأخوه رزين في نظراء من أهل الأدب رجالةً إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، وذلك في زمن خمول إبراهيم، فلقوا جماعة من أهل السواد من حمال الشوك، فأعطوهم شيئًا وركبوهم حميرهم، فأنشأ إبراهيم يقول:
أعيضت عن حمول الشو ... ك أحمالًا من الحرف
نشاوى لا من الصهبا ... ء بل من شدة الضعف
فقال رزين:
فلو كنتم على ذاك ... تميلون إلى قصف
تساوت حالكم فيه ... ولم تبقوا على خسف
فقال دعبل:
وإذا فات الذي فات ... فكونوا من أولى الظرف
ومروا نقصف اليوم ... فإني بائع خفي
ثم باع خفه وأنفق ثمنه عليهم.
ومما أنشد الصولي ثعلبًا لنفسه:
كم قد تجرعت من حزن ومن غصص ... إذا تجدد حزن هون الماضي
وكم غضبت فما باليتم غضبي ... حتى رجعت بقلب ساخط راضي