وإنما جعل الفضل للحازم البصير، وأما الكسلان المتردد فإن الفضل لا يصحبه، كما أن المرأة الشابة لا تطيب لها صحبة الشيخ الهرم؛ وقد قيل في أشياء ليس لها ثبات ولا بقاء: ظل الغمامة في الصيف، وخلة الأشرار، والبناء على غير أساس، والنبأ الكاذب، والمال الكثير؛ فالعاقل لا يحزن لقلته، ولكن ماله وعقله وما قدم من صالح عمله، فهو واثق بأنه لا يسلب ما عمل، ولا يؤاخذ بشيء لم يعمله؛ وهو خليق أن لا يغفل عن أمر آخرته، فإن الموت لا يأتي إلا بغتة ليس له وقت معين.
39 -قلما ظفر أحد بغني ولم يطغ، وقلما حرص الرجل على النساء ولم يفتضح، وقل من وثق بوزراء السوء وسلم من أن يقع في المهالك.
.4 - ومنه: وقد قيل إن خصالًا ثلاثًا لن يستطيعها أحد إلا بمعونة من علو همة وعظيم خطر، منها صحبة السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدو؛ وقد قالت العلماء في الرجل الفاضل الرشيد: إنه لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين، ولا يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرمًا أو مع النساك متعبدًا، كالفيل إنما جماله وبهاؤه في مكانين: إما أن تراه وحشيًا أو مركبًا للملوك.
41 -ووجدت صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالًا للعدو من صرعة المكابرة، فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما فوق الأرض منها، والماء بلينة وبرده يستأصل ما تحت الأرض منها؛ ويقال أربعة أشياء لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين. قال الغراب: وكل ذلك كان من رأي الملك وأدبه وسعادة جده؛ وأنه كان يقال: إذا طلب اثنان أمرًا ظفر به منهما أفضلهما مروءة، فإن اعتدلا في المروءة فأشدهما عزمًا، فإن استويا في العزم فأسعدهما جدًا؛ وكان يقال: من حارب الملك الحازم الأريب المتضرع الذي لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء، كان هو داعي الحتف إلى نفسه، ولا سيما إذا كان ذلك أيها الملك العالم بفروض الأعمال، ومواضع الشدة