إنه سميع الدعاء، فعال لما يشاء فقال المأمون: أحسنت وبورك عليك ناطقًا وساكتًا. ثم قال بعد أن بلاه واختبره: يا عجبًا لأحمد بن يوسف كيف استطاع أن يكتم نفسه.
وما ندري كم كان عمر أحمد يومئذ، ولاشك أنه كان على أبواب الكهولة، فنبل بالكتابة، وكان من قبل خاملًا، فاستحق اسمها على ما استحقها عبد الحميد ابن يحيى والربيع والفضل بن الربيع ويعقوب بن داود ويحيى ابن أبي خالد وجعفر بن يحيى وعبد الله بن المقفع والفضل بن سهل والحسن ابن سهل ومحمد بن عبد الملك الزيات والحسن بن وهب وإبراهيم بن العباس الصولي ونجاح بن سلمة وأحمد بن محمد المدبر وأضرابهم. جاء أحمد يكتب للمأمون بعد الفضل بن سهل والحسن بن سهل وعمرو ابن مسعدة، وقبل أن يتصل بالمأمون لم يكن معروفًا إلا عند خاصة الكتاب وأهل الأدب، حتى إذا أعجب به الخليفة بعدت شهرته في العالمين وحان الوقت الذي ظهر فيه ظهورًا لا خفاء بعده. مات كاتب المأمون أحمد بن بن خالد، فسأل المأمون الحسن بن سهل عن رجل كفوء يخلفه، فذكر له أبا جعفر أحمد يوسف، وأبا عباد ثابت بن يحيى الرازي، قائلًا إنهما أعلم الناس بأخلاق أمير المؤمنين وخدمته وما يرضيه، فقال له: أختر لي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد على الخدمة، وجفا لذته قليلا فهو أحبهما إلي، لأنه أعرق في الكتابة وأحسنهما بلاغة، وأكثر علمًا، فاستكتبه المأمون.
وكان أحمد يعرض الكتب ويوقع ويخافه أبو عباد إذا غاب عن دار المأمون. وكان أحمد بعد دخوله على المأمون يتقلد له ديوان السر، وبريد خراسان وصدقات البصرة، وصير له المأمون نصف الصدقات بالبصرة طعمة له سبع سنين، وكان قبل ولايته البصرة سلفة الأهواز فصرف عنها. وما برح يزداد كل يوم رفعة ويعظم في عينه لصدقه ونصحه. كتب أحمد ابن يوسف بين يدي