على البحث والتحاب في الدين والنصيحة لجميع المسلمين، وقلت اكتب إلي كتابا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى إصلاح القلوب، وإلى معتلجات الشكوك، وخواطر الشبهات، دون الذي عليه أكثر المتكلمين من التطويل ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب، وقلت كن كالمعلم الرفيق، والمعالج الشفيق، الذي يعرف الداء سببه، والدواء ومواقعه، ويصبر على طول العلاج ولا يسأم كثرة الترداد الخ.
أظننا الآن جلينا بعض ما خاض الجاحظ غماره، وجلى في مضاميره من الأبحاث، وما أشبهه بصحيفة عصره السيارة ينطق فيها بلسان حزب الوطن، وحزب الدولة، وحزب الدين، ويدل الناس على مراشدهم، ويكشف عن عورات الفاسدين، ويعلمهم الفضائل، ويلقنهم كل ما تستنير به عقولهم لاستصلاح جماعتهم، يعرفهم بالإسلام من طريقي العقل والنقل، يأتيهم بما يقنعهم، ويزيد أيمانهم وثوقًا، ككتبه في إثبات النبوة ونظم القرآن وفصل ما بين النبي والمتنبي.
قال ابن الخياط: ومن قرأ كتاب عمرو والجاحظ في الرد على المشبهة، وكتابه في الإخبار وإثبات النبوة، وكتابه في نظم القرآن علم أن له في الإسلام غناء عظيمًا، لم يكن الله عز وجل ليضيعه له. ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد على نبوته غير كتاب الجاحظ؛ وهذه كتبه في إثبات الرسالة وكتبه في تصحيح مجيء الأخبار مشهورة اه.
الجاحظ المعلم الأول يعلم الناس أن لا يؤمنوا بشيء إلا صح في نظام العقل، ويريدهم على أن تدق ملاحظتهم، ويرهف حسهم، يعلم حرية النظر والبحث ولسان حاله: إن الدين لا يصح بغير الدنيا، وأن الشريعة جاءت لإصلاح الأولى والأخرى، فتراه يكتب دفاتر مشبعة في ذم الزنى وفي الشارب والمشروب وإثم المسكر، وفي شرائع المروءة، وفي العشق والنساء وفضل ما بين الرجال