الزيات تولى الوزارة في سنة. 22، والكتاب بأسلوب ابن الزيات أشبه، لا تكلف في ألفاظه وتراكيبه، ويستبعد أن لا يجول قلم ابن الزيات في هذا الموضوع الخطير، الذي أقام الخلافة وأقعدها؛ ومما جاء فيه بعد التحميد: ولا يعلم أمير المؤمنين - مع كثرة أعداء الإسلام وتكنفهم إياه من أقطاره، والضغائن التي في قلوبهم على أهله، وما يترصدونه من العداوة، وينوطون عليه من المكايدة، إذ كان هو الظاهر عليهم، والآخذ منهم - عدوًا كان أعظم بلية، ولا أجل خطبًا، ولا أشد كلبًا، ولا أبلغ مكايدة، ولا أرمى بمكروه، من هؤلاء الكفرة الذين يغزوهم المسلمون، فيستعلون عليهم، ويضعون أيديهم حيث شاءوا منهم، ولا يقبلون لهم صلحًا، ولا يميلون معهم إلى موادعة، وإن كان لهم على طول الأيام وتصرف الحالات وبعض مالا يزال يكون من فترات ولاة الثغور أدنى دولة من دولات الظفر، وخلسة من خلس الحرب، كان بما لهم من خوف العاقبة في ذلك منغصًا لما تعجلوا من سروره، وما يتوقعون من الدوائر بعد مكدرًا لما وصل إليهم من فرحة.
فأما اللعين بابك وكفرته، فإنهم كانوا يغزون أكثر مما يغزون، وينالون أكثر مما ينال منهم؛ ومنهم المنحرفون عن الموادعة، المتوحشون عن المراسلة، ومن أديلوا من تتابع الدول، ولم يخافوا عاقبةً تدركهم، ولا دائرة تدور عليهم، وكان مما وطأ ذلك ومكنه لهم أنهم قوم ابتدءوا أمرهم علة حال تشاغل السلطان، وتتابع من الفتن، واضطراب من الحبل؛ فاستقبلوا أمرهم بغرة من أنفسهم وضعف، واستثارة ممن باراهم، فأجلوا من حولهم لتخلص البلاد لهم، ثم أخربوا البلاد ليعز مطلبهم، وتشتد المؤنة وتعظم الكلفة، ويقووا في ذات أيديهم، فلم يتواف إليهم قواد السلطان، إلا وقد توافت إليهم القوة من كل جانب، فاستفحل أمرهم وعظمت شوكتهم، واشتدت ضروراتهم، واستجمع لهم كيدهم، وكثر عددهم واعتدادهم، وتمكنت الهيبة