الإلهية والاجتماعية.
وقال فيه بعض واصفيه أنه قليل الرضى عند الإساءة إليه والإحسان الذم شأنه، والثلب، دكانه، يشتكي صرف زمانه، ويبكي في تضاعيفه على حرمانه. وقد لامه أستاذه السيرافي يومًا وهو ينقل ذم أعرابي بقوله: تأبى إلا الاشتغال بالقدح والذم وثلب الناس فأجاب: أدام الله الأستاذ، شغل كل إنسان بما هو مبتلى به مدفوع إليه وهذا الخلق في النيل من الناس لا سبيل إلى تبرية أبي حيان منه، لأنه مما أجمعت الآراء على أنه كان فيه متأصلًا باديًا، وهو مزاج خاص من جملة أمزجة بني آدم. ويوشك صاحب هذا المشرب أن يعادي أكثر أهل زمانه، هذا وهو دونه في صوب العقل وذوب الفضل.
إن الرجل الذي يخوض غمار المباحث التي خاض التوحيدي بحرها، وخرج منها ناصع الجبين والحجة، ناجح المسعى والمرمى، وهو من أفراد الدنيا بذكائه ونبوغه؛ يستحيل أن يتقيد بقيود أفكار غيره: يصدر إذا صدروا، ويرد إذا وردوا، يقلدهم في كل ما قروا أو قررهم، ويتابعهم عموا وضلوا، أم أبصروا واهتدوا. وفي البشر عدد ليس بقليل كان نصيبهم نصيب أبي حيان من الناس والمجتمع، قضوا أيامهم في ضيق من معاشهم، وضيق من عقول أهل جيلهم، وضيق من عبث المناظرين والمتعالمين، وسيطرة المستبدين والجائرين.
تشاؤمه وتفننه:
ترى هل كان التوحيدي يسمع الموسيقى والغناء، ويجلس إلى أرباب الدعابة والهزل، ويخلع ثوب الجد والوقار، ساعة من ليل أو نهار؟ وبغداد في أيامه علقت الطرب، ورفعت أقدار المسمعين والمسمعات إلى أسمى الرتب، وخرج الأدب فيها عن حد الخيال، وأصبح أطرب الشعر ما صدر عن قلب ملتهب، وفؤاده مضطرب، ووصف واقعة حال. وأكبر الظن أن التوحيدي لم يكن على شيء من