وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام، ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها؛ والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة من العلماء الذين يعرفون الرجال ويميزون الأمور. والشهادة الثانية لأبي حيان التوحيدي، وقد ألف فيه كتابًا سماه تقريظ الجاحظ ومما قاله فيه: أتفق أهل الصناعة الكلام أن متكلمين العالم ثلاثة الجاحظ، وعلي بن عبيده وأبو زيد البلخي، فمنهم من يزيد لفظه على معناه وهو الجاحظ ومنهم من يزيد على معناه على لفظه، وهو علي بن عبيده، ومنهم من توافق لفظه ومعناه وهو أبو زيد؛ قال: قلت لأبي محمد الأندلسي، وكان من عدد أصحاب السيرافي، قد أخحلف أصحابنا في مجلس أبي سعيد السيرافي في بلاغة الجاحظ، وأبي حنيفة صاحب النبات، ووقع الرضى بحكمك فما قولك؟ فقال: أنا أحقر نفسي عن الحكم لهما أو عليهما، فقال: لا بد من قول، قال: أبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة على السمع، ولفظ أبي حنيفة أعذب وأعرب، وأدخل في أساليب العرب. قال أبو حيان والذي أقوله وأعتقده، وأخذ به واستهم عليه، أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة لو أجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم، مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم. أحدهم هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة، وبسببه جشمنا هذه الكلفة. أعني أبى عثمان عمرو بن بحر والثاني أبو حنيفة الدينوري والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي.
والشهادة الثالثة شهادة أمير المؤمنين المأمون، قالوا لما نظر المأمون في كتاب الجاحظ في العباسية، وكان اليزيدي أدخله عليه، دعا بالجاحظ فقال: يا عمرو قد كان من يرتضي عقله، ويصدق خبره، ألقى إليه صفة هذا الكتاب، فكنت أرى الصفة عيانًا، فلما حضر العيان أربى على الصفة، ولما فلي أربى الفلى على