فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 489

وإذا أنصفنا أبا حيان فلمناه على ما بدر منه في حق عظيمين غمط حسناتهما وجسم سيئاتهما، مما ساقه إليه خيبة في أمله، أو مساس في عاطفته، أو اعتداد برأيه، فلا نذهب مع القائلين بالحكم عليه بالزندقة، اللهم إذا وقفنا في الحكم عليه عند حدود أقواله، وفيها شاهد على توحيدهن وبعده عن الإلحاد الذي قرف به. على أن معظم من ذروه ومنهم صاحب تاريخ بغداد ومؤلف معجم الأدباء، قالوا إنه كان يتأله أي يتنسك ويتعبد، والناس على ثقة من دينه وصحة عقيدته. ودعوى ابن الجوزي أن زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبو حيان وأبو العلاء المعري، وأنه كان أشدهما،، صرحا وهو جمجم، من الكلام الذي يلقي على عواهنه، أخذه على ما يظهر بدون روية، وتابعه عليه بعض الناقلين من دون تمحيص، وكذلك ما قيل من أن الصاحب بن عباد وقف على قدح التوحيدي في الشريعة وقوله في التعطيل وما كان يخيفه من ذلك، فطلبه ليقتله ففر، كلام فيه نظر أيضًا، على أن كثيرين من المتصوفة شطحوا من شطحات ابن الراوندي والتوحيدي والمعري، فلم يتهموا بشيء ولا قدح الناس في دينهم، وذهبوا من هذا العالم بسلام، لم يمسسهم أحد بسوء، ولا طعن طاعن في عقيدتهم. ولطالما وجهت تهمة الزندقة إلى كثير ممن توسعوا في علم الكلام أو العلم الإلهي، أو علوم الأوائل من الفلسفة والطبيعي والرياضي، وكان نمط تفكيرهم جديدًا يخالف من بعض نواحيه نمط التفكير الذي أصطنعه رجل مات أو رجال ماتوا، فوقروا في الصدور، وعلت منزلتهم بين الناس. والميت أفضل عندهم من الحي وقد يكون بينهما بون بعيد، وفروق ظاهرة. والأرجح أنه كان للحسد والجهل مدخل كبير في الطعن على التوحيد والطاعنون إما حسدًا ساقهم لؤم الغريزة إلى النيل من عظيم بذهم وأربا عليهم، فما استطاعوا مشاركته ومنافسته، أو أنهم جهلوا حقيقته وتأولوا كلامه، باب التأويل متسع لمن يحاول أن يسقط مؤلفًا مثله، خاض أصعب المسائل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت