قولهم في الجهات، وكتاب فرق ما بين النبي والمتنبي، والفرق ما بين الحيل والمخارق، وبين الحقائق الظاهرة والأعلام الباصرة، ثم قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير. . . .
لقي الجاحظ الألاقي من خصومه المشاغبين والمعارضين، ولكن ذهبت أقوالهم في الريح، وذهب هو بالإحسان، ثبتت مصنفاته وانتشرت وبقي الأنسب، وانقراض الثرثارون وما ثرثروا به، وأي عصر، وأي مذهب، وأي جنس خلا من أمثالهم؟
سياسته ودهاؤه:
الجاحظ رجل سياسة أيضًا كما هو معن مفن، عرف سياسة الوقت معرفته سياسة العلم. ومع اعتياده عادة العلماء كما قال ابن خلدون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات، وتجريدها في الذهن أمورًا كلية عامة ليحكم بأمر العموم، لا بخصوص مادة ولا شخص، ولا جيل ولا أمة، ولا صنف من الناس مع اعتياده هذا اشترك في الدفاع عن كيان الدولة، وقصر وكُدَه على الأمور الكبرى، وما دخل في تفاصيل السياسة العباسية. ولو شارك فيها لكثر غلطه عند إرادته إفراغ السياسة في قالب أنظاره، ونوع استدلالاته، من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض.
وأقل نظرة في كتبه تنبئك بأنه آزر في خدمة دولته، وأسفاره في الفرق ما بين هاشم وعبد شمس والرسائل الهاشميات والعباسية والعرب والعجم ووجوب الإمامة والدلالة على أن الإمامة فرض ومناقب الترك كلها شاهدة أنه ساهم السياسيين إلى الحد الذي استجاره لنفسه. وإنا إذا نظرنا إلى اتصاله بوزراء الدولة، وإلى حرص كل واحد منهم على أن يختص به دون غيره، ندرك أن من شغفوا بصحبته للانتفاع بفضله وعلمه والاستمتاع بحديثه، لا بد أن يحاولوا حمله على معاونتهم فيما هم بسبيله من مشاكلهم، علمًا منهم بتأثير كلامه في الأفكار؛ ومنهم من كل