يشرح لابنه أبي الفتح صورة الديلم في الحسد والجشع، وأنه ما ملكهم أحد قط إلا بترك الزينة، وبذل ما لا يبطرهم ولا يخرجهم إلى التحاسد ولا يتكبر عليهم، ولا يكون إلا في مرتبة أوسطهم حالا، وأن من قد دعاهم واحتشد لهم، وحمل على حالة فوق طاقته، لم يمنعهم ذلك من حسده على نعمته، والسعي على إزالتها، وترقب أوقات الغرة، في آمن ما يكون الإنسان على نفسه منهم، فيفتكون به ذلك الوقت.
قال: وكان لوفور عقله يداري أمره مع صاحبه ومع عسكره، ثم يسوس رعيته والممالك التي يراعيها، ويدبر الجميع تدبيرا ملائما لوقته، موافقا لزمانه، فلا يظهر من الزينة وأبهة الوزارة، إلا بمقدار ما يقيم به مرتبته، ولا يجاوز ذلك إلى ما يحسد عليه وينافس، ثم يتواضع تواضعا لا يخرج به إلى غضاضة تلحقه في جاهه، أو تحطه عن المنزلة العالية التي يرقي إليها، وكانت سلامته طول مدته على أصناف الناس وطبقاتهم وقيام هيبته وتمام سياسته متصلة تزيد على الأيام ثناء وثباتا.
ومن سياسة ابن العميد وهو الصدر المقدم في الآداب والسياسة أنه كان يصون مجلسه عن الخوض في مسائل الخلاف في الدين، وقد يقاطع من يحاول المناقشة فيه، وهو جد عارف بأهل الأثر وأهل الري من فقهاء الأمصار، بصير بالمحكم والمتشابه من آي القرآن، إلى معارف جمة في النحو والتصريف والغة وأشعار العرب، يدرك ما يجر الخلاف من تبعات على دولة اختلفت مذاهب سكانها وأجناسهم، وتباينت أهواؤهم ودرجات ثقافتهم، خصوصا ومذهبه غير مذهب سلطانه، وهو فوق ذلك متشبع بالحكمة حتى ليتهمه بعضهم في دينه، شأن الناس منذ العهد القديم مع من يشتغل بهذا العلم البغيض إلى الفقهاء وأتباعهم. والناس في كل زمن أسرع إلى تكفير أهل التفكير من الماء إلى المنحدرات.