فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 489

اللب، وباللفظ الذي قد حذف فضوله، وتعرفه وأسقط زوائده، حتى عاد خالصًا لا شوب فيه، فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه، إلا بأن يجد لهم إفهامًا، مرارًا وتكرارًا، لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام، وصارت أفهامهم لا تزيد عن عاداتهم، إلا أن يعكس عليها ويؤخذ بها.

فالطريقة عنده إذًا ألا يكثر المنشئ من التصفية والترويق في الألفاظ، ولا يرسل كلامه في الناس، مفتونًا بما جادت به قريحته بادئ الرأي. هو يريد التنقيح، ولكنه لا يوصي بالإكثار منه، لأن في التعمق الزلل. ولما كان على علم بأن فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته أوصى من يكتب كتابًا أن لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم بالأمور، وكلهم متفرغ له قال أبو زيد البلخي ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ قال أبو عثمان: ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غفلا ولا يرضى بالرأي الفطير، فإن لابتداء الكتب فتنة وعجبًا، فإذا سكنت الطبيعة، وهدأت الحركة، وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، أعاد النظر فيه، فتوقف عند فصوله، توقف من يكون وزن طبعه في السلامة، أنقص من وزن خوفه من العيب. دل الكتاتب بهذا على الوقت المناسب لإعادة النظر فيما كتب. أما هو فكان يحس اختيار الزمن ليبرز كلامه في قوالبه المعهودة إحسانه اختيار موضوعه. وقد حكى تلميذه المبلاد عنه قال: رأيت الجاحظ يكتب شيئًا فتبسم، فقلت: ما يضحكك؟ قال: إذا لم يكن القرطاس صافيًا، والمداد ناميًا، والعلم مواتيًا، والقلب خاليًا، فلا عليك أن تكون غائبًا. وهذا الكلام لا يصدر عن غير متفنن، ومن عيار الجاحظ، ولذلك جاءت كتبه كثيرة الحيوية والنائية، تبسم وتغازل وترقص وتغني.

قال الجاحظ: وليس في الأرض إنسان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعتريه الغلط في شعره وفي ولده، إلا أن الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت