خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنيّة بالقسر
فلما رأيت القوم يبذل بِشره ... ويجعل حسن البشر واقية الوفر
رَبَعْت على ظلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفًا للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حليمهم ... عليك الفتى المرّيّ ذا الخلق الغمر
أعيذك بالرحمن من قول شامت ... أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغبًا لرأيته ... كما كان دهرًا في الرخاء وفي اليسر
أخاف عليك العين من كل حاسد ... وذو الودّ منخوب الفؤاد من الذّعر
فإن ترع ودي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
ولما اشتهر أمر الجاحظ أمسى يعيش من الهدايا والعطايا التي تنهال عليه من العظماء وأرباب الدولة، ممن يؤلف بعض كتبه لهم ويحيلها بأسمائهم، حتى لقد سأله أحدهم مرة إذا كان له بالبصرة ضيعة، فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، وجارية تخدمها، وخادم وحمار: أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك، فأعطني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والتبيين إلى ابن أبي داود فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة، ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد. كان هذا والجاحظ في شيخوخته، والخلفاء والعظماء يعشقون قربه، ويفاخرون بصداقته؛ ومن أصدقائه الفتح بن خاقان ومحمد بن عبد الملك الزيات، والحسن ابن وهب. ولم ير الجاحظ التقيد بخدمة الخلفاء، واعترض عليه بعضهم في ذلك، وقال فيه بعض من لا يرى للرجال قيمة إلا بما ملكت أيديهم، ومتعوا به من جاه وسطوة: إني لم أر أغبن من الجاحظ لنفسه، وإن كان أوحد البلاغة في عصره؛ فما باله لم يلتمس شرف المنزلة بشرف الصنعة، وقد رأى ابن الزيات وإبراهيم بن العباس بلغا فيها ما يلغا، وهو يلتمس فوائدهما والجاه