خلوده ومجده:
ويسأل القارئ بعد أن رأى صورة الجاحظ في كثير من مظاهره، ولمست يداه موضع العجب من نبوغه وافتنانه في عمله وأدبه، وهل كان له من بدّ حظ من الخلود؟ وإلى أي مدى بلغت تأثيراته في ديار الإسلام؟ ولا بدّ قبل بحث خلوده أن نتعرف معنى الخلود، ثم ننظر إذا استحق الجاحظ هذه الصفة.
ويقول أمير سون الفيلسوف الأمريكي: إن الكتاب الصالح كالمجتمع الصالح، وإنك إذا أدخلت رجلًا منحطًا في حلقة جماعة راقين لا ترفعه لأن ليس منهم، ولن يصبح مساويًا لهم؛ هكذا حال مجتمع يحمي نفسه، وأهله واثقون أن هذا الدخيل فيهم، والواغل عليهم، وإن كاثرهم بجسمه، فلن يشركهم بمكانتهم.
يُقاس تأثير الكلام في الجماعات بما انطوى عليه من دقة في الفكر. وإن كتابًا ينبه ذهنك ويرهف حسك، ويسمو بك بصوت فصاحته العالي، ليكتب له في أفكار الناس أعظم الأثر، وليس تأثيره بالسريع، إلا أنه مستديم ثابت. وأنت إذا لم تستفيد شيئًا من صفحات هذا الكتاب، ثق أنه سيفني كما يفني الذباب من ساعته. الكاتب هو الذي لا يتقيد بذوق العصر فقط، وإنما يملي ما يملي ورائده الإخلاص. والحجة التي لا تفعل في نفسي فعلًا عمليًا قد لا تفعل فيك أيضًا.
يقول سدني: أنظر في قلبك واكتب - ومن يكتب لنفسه يكتب لجمهور يبقى. فعليك إن أنشأت شيئًا أن تُرضي هواك أولًا، وليعلم الكاتب الذي اهتدى إلى موضوعه بعينيه وأذنيه، لا بقلبه ونفسه، ولو ما استفاد ولا أفاد. ثم إن الكاتب لا يُحكم عليه بما يقدر له من الرواج، ولو أجمع نصف الناس على استحسانه، فهو ينفي إذا خلا من الحرارة، والحرارة وحدها تهب الحياة. ونحن إذا انتفخنا حتى تمزقنا، لا نتسامى إلى أكثر مما حصلناه من قدر.
لا دخل للحظ في الشهرة الأدبية، ولا يتوقف صدور الحكم النهائي على كتاب بما