عليها، والاستهتار بها، إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها فبي غير مكانها؛ ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك، قال صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه، وإنما هي رياضة وسباحة، والرفيق مصلح، والآخر مفسد، ولا بد من هذين، وطبيعة مناسبة؛ وسماع الألفاظ ضار ونافع؛ فالوجه النافع أن يدور في مسامعه، ويغيب في قلبه، ويختم في صدره، فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاحقت، فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، وثمرتها أطيب ثمرة، لأنها حينئذ تخرج غير مسترقة، ولا مختلسة ولا مغتصبة، ولا دالة على فقر، إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون غيره، وبين الشيء إذا عشش في الصدر، ثم باض ثم فرخ ثم نهض، وبين أن يكون الخاطر مختارًا، واللفظ اعتسافًا واغتصابًا، فرق بين. وقال: إن كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح والقبيح، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا.
وقد أعجب بما يستخدمه رواة الأخبار من السهولة فقال: ورأيت عامتهم - فقد طالت مشاهدتي لهم - لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها، وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وإشارات إلى حسان المعاني؛ ورأيت البصر بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر. يعني أن الجاحظ لا يرى للكاتب أن يستعمل من الألفاظ إلا ما يفهمه العامة؛ والكاتب يكتب ليفهم لا ليعجم، ويتوخى المعاني الجديدة التي تصلح فساد القلوب، وتعمر بها الأفئدة والعقول.