فأول ذلك أني قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني إني أرى بينك وبين ابن سيار القاضي ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومؤاتاة خلقية. فمن أين هذا وكيف هو؟ فقال: يا بني اختلطت ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكونًا لا يرثان على الدهر، ولا يحولان بالقهر، ومع ذلك فبيننا بالطالع، ومواقع الكواكب، مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة حتى إنا نلتقي كثيرًا في الإرادات والاختيارات، والشهوات والطلبات، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل، فأجدنا شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان، حتى كأنها قسائم بيني وبينه، أو كأني هو فيها أو هو أنا، وربما حدثته برؤيا فيحدثني بأختها، فنراها في ذلك الوقت أو قبله بقليل أو بعده بقليل؛ قال: ورأيته قد ملكة التعجب من هذا وشبهه، فحدثته بما نتقاسمه من قوى الفلك، وان سهامنا واحدة، وأنصابنا منها متساوية، أو قريبة من التساوي، فعجب وازداد بصيرة في إخلاص الصداقة، وتوكيد العلاقة. فقلت لأبي سليمان كيف يصح هذا، وأنت مطالبك في الفلسفة، وصورة مأخوذة من الحكمة، وقتيبتك مجموعة من الحقائق، وخوضك في الغوامض والدقائق، وذاك رجل في عداد القضاة، وجله الحكام، وأصحاب القلانس، ومخاضه الظاهر الذي عليه الجمهور، ومأخذه مما عليه السواد الأعظم؟ فقال: هذا هو الذي انفردنا عنه، بعد أن ازدواجنا عليه. والأصل أبدًا مخالف للفرع، لا خلاف الضد للضد، ولكن خلاف الشكل للشكل، وكان مشتريه خاليًا من قوة زحل، فبرز في حلبة القضاة، وكان المشتري لي مقتبسًا من زحل فظهرت بما ترى، فجمعتنا المشاكلة على العلم، وفرقنا الاختلاف بالفن.
قلت: هذا والله طريف، ومما يزيد في طرافته أنك من سبحستان وهو من الصيمرة، فقال: الأمكنة في الفلك أشد تضامًا من الخاتم في إصبعك، وليس لها هناك هذا البعد الذي تجده بالمسافة الأرضية، من يلد إلى بلد، بفراسخ تقطع،